موقع مکتب سماحة آیة الله العظمی السید محمد صادق الحسینی الروحانی (دام ظله)
بيان بمناسبة شهر عاشوراء
إنَّ أيام عاشوراء هي أيام الشعائر الحسينية المباركة ، والذي ينبغي أن يعلمه أولادنا الأعزاء أنَّ هذه الشعائر لم تصل إليهم من غير مقابل ، بل كان ثمن وصولها إليهم باهظاً جداً ...

 بسم الله الرحمن الرحيم

 

" السلام على الحسين ، وعلى علي بن الحسين ، وعلى أولاد الحسين ، وعلى أصحاب الحسين "

 

ونحن نستقبل أيام عاشوراء أرفعُ - بهذه الفادحة الكبرى والمصيبة العظمى - أحرّ التعازي إلى ساحة قدس رسول الله الأعظم وأوصيائه الطاهرين ( عليهم السلام ) ، سيما خاتمهم وقائمهم ( أرواحنا لتراب مقدمه الفداء ) . وأسأل من الله الذي شرفنا بشرف ولايتهم والانتماء إليهم ، أن يشرفنا بنصرتهم وطلب ثأرهم تحت راية وليّ عدله المنتظر ( عجّل الله فرجه الشريف ) . 

وبعد تقديم واجب العزاء لقادة الخلق وولاة الحق ( عليهم السلام ) يهمني جداً أن أخاطب أبنائي الأعزاء وبناتي المؤمنات ببضع كلمات مهمة :

 

الكلمة الأولى : إنَّ أيام عاشوراء هي أيام الشعائر الحسينية المباركة ، والذي ينبغي أن يعلمه أولادنا الأعزاء أنَّ هذه الشعائر لم تصل إليهم من غير مقابل ، بل كان ثمن وصولها إليهم باهظاً جداً ، فقد أُريقت في سبيل ديمومتها الدماء ، وقُطّعت الأعضاء ، وأُتلفت الأرواح ، فلا ينبغي التواني في إقامتها ، وبذل الغالي والنفيس من أجلها ، تقديراً للتضحيات الكبيرة التي قدمها السلف الصالح ، وأداءً للوظيفة الشرعية الملقاة على عواتقفتية هذا الجيل ، وليعلم أبناؤنا الحسينيون أنهم إن قاموا بذلك فإنهم قد قاموا بأداء وظيفةٍ من أكبر الوظائف الإلهية ، وسيكون موقفهم موقفاً مشرفاً بين يدي الله تعالى وأوليائه الطاهرين ( عليهم السلام ) .

 

الكلمة الثانية : لقد ثبت عبر التاريخ الطويل لشيعة أهل البيت ( عليهم السلام ) أنَّ هذا المذهب الحق للطائفة المحقة بما له من المنظومة الفكرية والعقائدية والتشريعية إنما بقي شامخاً - رغمَ العواصف الهوجاء التي يتعرض لها في كلِّ عصر وزمان - نتيجة عدة عوامل مهمة .

وإنَّ من أهمِّ هذه العوامل - إن لم يكن أهمها - اهتمامهم بإحياء الشعائر الحسينية المباركة ، لأنَّ هذا الإحياء يقود صغارهم قبل كبارهم للتعرف على سرّ مظلومية سيد الشهداء الحسين ( عليه السلام ) ، وأهداف نهضته الإلهية وما ورائياتها ، فيدله كُلُّ ذلك على الإمامة الحقة التي اغتصبها الظالمون من أصحابها الشرعيين .

وهذا ما يجعل الفرد الشيعي راسخ القدم في اعتقاده بإمامة أهل البيت ( عليهم السلام ) ، ومعالمها العقائدية والفكرية ، ومتفانياً في الدفاع عن انتمائه لها ، وقلَّ أن تجد مثل هذا التفاني والحس الانتمائي عند غير شيعة آل محمد ( عليهم أفضل التحية والسلام ) .

ومن هنا نفهم سر الحملات الشعواء التي يشنها أئمة الضلال في كل عام على هذه الشعائر بعناوين مختلفة ، والاستهزاء بمقيميها والمتمسكين بها ، فإنَّ الهدف من وراء ذلك ليس إلا تمييع هذا الحس الولائي ، وإطفاء شعلة الحماسة الحسينية المتوقدة ، وإخماد المشاعر المفتونة بعشق سيد الشهداء الحسين ( عليه السلام ) ،  والملتهبة بالبراءة من أعداء إمامة أهل البيت ( عليهم السلام ) والغاصبين لها .

ولست أجدُ نفسي بحاجة للتأكيد على ضرورةوعي هذه المؤامرات التي تُحاك ضد النهضة الحسينية المباركة وأهدافها وشعائرها ، في سبيل التقليل من فاعليتها ، فإنَّ الشيعة قد أثبتوا على مدى تاريخهم الجهادي الطويل أنهم أكثر وعياً والتفاتاً لإثارات المغرضين ، وأقدر على إفشال مشارع المتربصين .

 

الكلمة الثالثة : إني مُطّلِعٌ اطلاعاً تاماًعلى الإثارات التي يثيرها في مَطْلَعِ كل موسم عاشورائي مجموعة من المشاكسين ، ويُحدثون بها لغطاً وجدلاً وانشقاقاً في الصف الشيعي تحت مسمى إصلاح الشعائرالحسينية ، علماً أنَّ ما يقومون به لا يمت للإصلاح بصلة ، إذ أنه ليس سوى أصداء لما يستنكره المخالفون ، وارضاء لمشاعرهم ، وعلى أحسن المحامل فإنه ليس نابعاً إلا عن قصور الرؤية في فهم أدلة الشريعة المقدسة وكيفية الاستفادة منها .

ولستُ أدري كيف غاب عن أذهان هؤلاء أنَّ المحافظة على وحدة الصف الإسلامي إنما هي متفرعة عن وحدة الصف الشيعي، ولا يمكن أن تتحقق تلك من غير أن تتحقق هذه ، فما بالهم يسعون لتحقيق الأولى على حساب هدم الثانية، مع أنها مترتبة عليها ومتفرعة عنها ؟! ليكون حالهم ( كَالَّتِي نَقَضَ تْغَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا ) .

وإني لأدعوهم - إن كانوا جادين في تحقيق الوحدة - إلى إعادة حساباتهم ، وتجنب الإثارات التي تفاقم الصراع بين الشيعة أنفسهم، وليعمل كلُّ شخص – بكلّ هدوء –على طبق الحجة الشرعية التي انتهى إليها اجتهاداً أو تقليداً، من غيرِ حاجةٍ إلى إثارة الضوضاء وتأجيج الصراع .

كما وأدعوهم إلى الاستفادة مِن تجارب مَن سبقهم ، والاعتبار بهم ؛ فإنَّ التاريخ قد أثبتَ أنَّ كلَّ شعيرة من الشعائر الحسينية المباركة التي سعوا إلى طمسها ، وبذلوا الأموال الطائلة في سبيل محوها ، واستنزفوا كلّ طاقاتهم وجهودهم من أجل القضاء عليها ، لم يزدها ذلك إلا ترسخاً وتألقاً وسعةً وانتشاراً ، مما يدلّل على أنَّ يد الغيب الإلهية هي المعنية بحفظهذه الشعائر وتأييدها إلى زمن الظهور المهدوي المقدّس ، بالنحو الذي أشار إليه القرآن الكريم في قوله ( تبارك وتعالى ) : (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْجَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللهُ بِمَاتَعْمَلُونَ بَصِيرًا) . 

ولو أردنا أن نلخّص هذه الحقيقة فلنا أن نقول : إنَّ الحربَ مع الشعائر الحسينية – من أيّ قوةٍ صدرت ، ومِن أيِّ جهةٍ كانت – محسومةُ النتيجةِ سلَفَاً ، وأنها – على القطع واليقين –خاسرةٌ خاسرةٌ خاسرة . وهذا ما صرّحت به عالمةُ آل محمد وصدّيقتهم ( عليها وعليهم السلام ) حين قالت : (وَلَيَجْتَهِدَنَّ أَئِمَةُالكُفْرِ وَأشْياَعُا لضَلالَةِ فيمَحْو هِوَ تَطْمِيسهِ، فَلايَزْدَادُ أثرُهُ إلا ظُهُورَاً،وأمْرُهُ إلا عُلُوّاً ) .

 

الكلمة الرابعة : إنَّ المأمول من أبنائنا وبناتنا أن يستثمروا أيام عاشوراء في تربية نفوسهم وتهذيب أخلاقهم بمقدار اهتمامهم بإحياء الشعائر وإقامتها ، وذلك من خلال التعامل مع عاشوراء بكل قيمها ومواقفها وأهدافها كمرآة صافية لما ينبغي أن تتوفر عليه شخصية الإنسان من قيم وأهداف ومبادئ ، فإنّ عاشوراء مدرسة حافلة بالقيم والأهداف ، كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والتضحية في سبيل الله تعالى ، والرضابقضائه وقدره ، والدفاع المستميت عن الدين ، والاهتمام بالستر والعفاف والحجاب الشرعي ، والانصهار في طاعة الله وعبادته ، وكل ذلك - ومثله كثير - مما ينبغي أن يستحضره الفرد الشيعي وهو يعيش أيام عاشوراء ، لتكون عاشوراء هي الميزان الذي ينبغي أن يقيس عليه الفرد شخصيته ، فيتكامل على ضوئها إلىأن يرتقي إلى أعلى درجات الكمال .

 

وفي الختام لا يسعني إلا أن أقول : ذوبوا في الحسين ، ثمَّ ذوبوا في الحسين ، ثمَّ ذوبوا في الحسين ، فإنَّ في ذوبانكم خير الدنيا والآخرة ، وإني لأسأل المولى المتعال أن يأخذ بأيدي حاملي رايات الشعائر الحسينية المباركة ، ويسدد خطواتهم في طريق إحيائها ، وكما لا أنساهم من دعائي فرجائي أن لا ينسوني من دعواتهم المجابة ، سيما في مجالس العزاء ومحافل الإحياء المباركة ، فإنها مظان الإجابة ومهابط الرحمة ، والسلام عليهم جميعاً ورحمة الله وبركاته .

 

محمد صادق الحسيني الروحاني
قم المقدسة