موقع مکتب سماحة آیة الله العظمی السید محمد صادق الحسینی الروحانی (دام ظله)
حول لقاح كورونا، وجواز أو وجوب أخذه؟
استفتاء:

 سماحة المرجع السيد محمد صادق الحسيني الروحاني دام ظله

 ينشغل العالم بموضوع فيروس كورونا هذه الأيام، عافانا الله واياكم وجميع المسلمين من ضرره مما أثار جدلا شرعيا حول نقاط عدة تتعلق باللقاح وأخذه تتلخص بالتساؤلات التالية:

 أولا: هل أخذ اللقاح واجب شرعا، حفظا للنفس من الهلاك وحفظا للغير من الضرر؟

 ثانيا: أثير الجدل حول مكونات اللقاح لناحية وجود مكونات الخنزير فيه، فهل يحرم أخذ اللقاح في حال ثبت وجود هذه المكونات فيه؟ وهل يعتبر نجساً في حال دخوله للجسم؟

ثالثا: لو سلمنا بالحرمة والنجاسة ألا يمكن العمل ههنا بقاعدة الضرورة ؟

او بحديث ما من شيء حرمه الا وقد احله لمن اضطر اليه؟

نرجو من سماحتكم إعطاء الجواب الشافي حول الإشكاليات أعلاه وتحديد الموقف الشرعي منها سريعا بالنظر لأهمية الموضوع ولوضع الفيروس وتحوراته وانتشاره دمتم في رعاية الله.

 

٥ رجب ١٤٤٢ 

جواب:

باسمه جلت اسماؤه

مع استمرار هذه الجائحة في العالم، وكثرة الإصابات المرتفعة بين الناس، واضطراب أمور العباد ، و تعلق آمال الناس باستعمال لقاح عسى أن يكون مانعا من استمرار انتشار الجائحة.  

نود بداية التنبيه والتذكير بأمرين أساسيين سبق بيانهما في أجوبة سابقة نشير اليهما كمقدمة للجواب:

الامر الأول: يتعلق بالنظرة الى هذا الوباء او الجائحة من الناحية المادية والعقائدية.

 مما لا شك فيه أن ما يعانيه عامة الناس في شتى الامصار منذ أكثر من عام ولحد الان بسبب انتشار جائحة (كورونا) ، قد أدى الى ارتفاع كبير في عدد الإصابات خلال عام واحد  زاد عن مائة مليون انسان ، بعد أن لم يكن قد تجاوز قبل عام من الان مائة الف اصابة .

وهذا في تفسيره المادي يدل على ما يلي:

أولا: حجم الخطر الكبير الذي يشكله استمرار هذه الجائحة على البشرية.

ثانيا: عجز الأنظمة والحكومات في السيطرة على انتشاره وتوسعه رغم الإمكانيات الهائلة.

ثالثا: يكشف عن مدى استهتار الافراد بلزوم الاستجابة الى النصائح والارشادات التي تجزم بأن التباعد واعتماد الوقاية اللازمة بين الناس هو الوسيلة الوحيدة التي تحد و تمنع من انتشاره.

 

واما في تفسيره العقائدي فهو يدل على ما يلي:

أولا: إن ما حصل ولا يزال ما هو الا نتيجة حتمية لسوء أعمال العباد، وقد سنّها الله تعالى في عباده منذ القدم لينذرهم وينبههم ويحذرهم من الاستمرار في غيهم وطغيانهم وانحرافهم وفسادهم وهو وعد إلهي نطق به القرآن الكريم في الآية 21 من سورة السجدة محذرا من التمادي في الانحراف: ولَنُذيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى‏ دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ‏ يَرْجِعُونَ‏.

 

ثانيا: سبق وأشرنا الى ذلك في جواب سابق مع بداية ظهور هذه الجائحة قبل عام بالقول:

"ونحن اليوم نعيش واحدة من الابتلاءات التي عمّت البلاد والعباد، في مشارق الأرض ومغاربها، وأصابت بالوباء القاتل فيمن أصابت البرّ والفاجر، المؤمن والفاسق والكافر، التقي والشقي، فتعطلت أمور الحياة المادية، وتأثرت النشاطات والعبادات الروحية.........

    ولو تنبّه العاقل النبيه، وتأمّل المؤمن الفَطِن، الى ما تعيشه البشرية في زماننا، مما هو جارٍ في سلوكها واعمالها من تمرد على القيم والتعاليم الإلهية، وطغيان وفجور وظلم وفساد في الحياة العملية، بما لا يدع مجالا للشك في الاعتقاد بأن ذلك يُعد واحدة من مصاديق قوله تعالى (ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ والْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذيقَهُمْ بَعْضَ الَّذي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41 الروم) 

 لأدرك بما لا يقبل الشك، أن ذلك ما هو إلا نتيجة حتمية، لسنّة كونية، جرت في الأمم السابقة، ويمكنها أن تجري في أي زمان ومكان، وهو ما حذّرنا منه النبي (ص) بما نقله الامام الباقر (ع) كما ورد في الكافي الشريف، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) خَمْسٌ إِنْ أَدْرَكْتُمُوهُنَّ فَتَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْهُنَّ، لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوهَا إِلَّا ظَهَرَ فِيهِمُ الطَّاعُون‏ والْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ فِي أَسْلَافِهِمُ الَّذِينَ مَضَوْا..... الخ الحديث. فما أكثر الفواحش الظاهرة في زماننا على جميع الأصعدة، وهذا الوباء واحدة مما لم يعرفه الذين مضوا".

 

 الامر الثاني: فيما يتعلق بتكليف الافراد والمجتمعات في ظل هذه الجائحة.

في ظل استمرار الخطر الداهم من هذه الجائحة والتي لم تُعرف حدوده وآثاره الكاملة على الانسان لحد الان، سواء على الافراد او المجتمعات فإن طريق الخلاص تختصر بما يلي:

أولا من الناحية العقائدية: سلوك طريق التوبة والاستغفار والدعاء والتوسل الى الله تعالى بصدقٍ علّه يصلَ العبادَ شيءٌ من الرحمة الإلهية، إذ بدون ذلك لا يُؤمَن طولُ العذاب، بل وزيادته إذ يُخشى من أن يكون الابتعاد عن التوبة والدعاء سببا لابتعاد الرحمة الإلهية وهو ما تشير اليه الآية 75 من سورة المؤمنون بقوله تعالى: وَ لَوْ رَحِمْناهُمْ‏ وَ كَشَفْنا ما بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا في‏ طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُون، وقد ورد الحث على الدعاء كثيرا وكما قال الامام الصادق (ع) (الدُّعَاءُ يَرُدُّ الْقَضَاءَ بَعْدَ مَا أُبْرِمَ إِبْرَاماً فَأَكْثِرْ مِنَ الدُّعَاءِ فَإِنَّهُ مِفْتَاحُ كُلِّ رَحْمَةٍ وَ نَجَاحُ كُلِّ حَاجَةٍ وَ لَا يُنَالُ مَا عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَّا بِالدُّعَاءِ وَ إِنَّهُ لَيْسَ بَابٌ يُكْثَرُ قَرْعُهُ إِلَّا يُوشِكُ أَنْ يُفْتَحَ لِصَاحِب)

ثانيا من ناحية التكليف الشرعي: إن الواجب على الافراد والمجتمعات هو العمل على حفظ الانفس من الوقوع بالمخاطر وضرورة القيام بكل عمل يساعد على ذلك من خلال الالتزام بإجراءات الوقاية المطلوبة ، وأهم ذلك هو عدم التهاون والاستهتار في تجنب الإصابة او نقلها للآخرين، وقد سبق وبيّنا مفصلا في جواب سابق أهمية ذلك من الناحية الشرعية بالقول:

"لقد أولَت الشريعة الغراءُ موضوع حفظ الأنفس أهميةً كبرى وخاصة المؤمنين فأوجبت حفظها وحرّمت كل ما يسبب إزهاقَ الأرواح بل اعتبرت أن إزهاق روح إنسانٍ واحد بغير  وجه حق تعادل قتلَ الناس جميعا، ولذا كانت قاعدة لزوم الاحتياط في الدماء مقدمةً على غيرها من القواعد الشرعية المعتبرة في المواضيع الأخرى، واعتبرت ان التسبيب في القتل بحكم المباشر له، واعتبرته من أكبر الجرائم، ولم تسمح للإنسان حتى بأن يقتل نفسه فكيف بالآخرين، ....

 والنتيجة هي أن أي عمل يؤدي الى إزهاق الانفس بغير ما أقرته الشريعة هو محرم بل من الكبائر، ويحاسب فاعله ومسببّه".

جواب السؤال الاول: إن حكم أخذ اللقاحات المتوفرة في هذه الفترة فيه تفصيل، نظرا لما صار معروفا عنها جميعا وفق ما يقوله أهل الاختصاص في هذا المجال من أنها لا تزال في طور التجارب العلمية التي لم تكتمل بعد، ولم يتم السماح باستخدامها عالميا الا بشكل طارئ مع تعهدات تطلبها شركات التصنيع من الدول المشترية للقاحات برفع المسؤولية عن الضرر المحتمل لاستعمال تلك اللقاحات، إضافة الى عدم الإحاطة بنتائجها وبمدى فعاليتها.

وهذا التفصيل في الحكم الشرعي حول أخذ اللقاح من عدمه يتفاوت بين ما يصل الى حد الوجوب وبين الحرمة وفق الصور الخمس التالية.

الصورة الأولى: فيما لو كان المكلف من خلال طبيعة عمله في مورد احتكاك دائم مع المصابين بما يجعل احتمال تعرضه للإصابة احتمالا قويا رغم ما يمكن أن يتخذه من احتياطات في عمله، كمن يعمل في الحقل الطبي من أطباء ومسعفين وأمثالهم.

فهذا الصنف من المكلفين معرض للإصابة باستمرار من خلال أداءه لعمله المهني.

ويجب عليه في نفس الوقت وقاية نفسه وحفظها من الأخطار المحتملة قدر المستطاع.

وبالتالي يدور الامر بالنسبة لهؤلاء بين أخذ اللقاح باعتباره الوسيلة الوحيدة المتاحة لهم حاليا للتخفيف بنسبة عالية من خطر الإصابة المحتمل بقوة، مع ما يرافق أخذ التلقيح من احتمال وجود آثار أو نتائج سلبية، جانبية او مستقبلية نتيجة لكونه لا يزال تحت التجربة العامة.

وبين عدم أخذ اللقاح خشية من الاثار المحتملة غير المحددة نتيجة لعدم الإحاطة الكاملة بمضاعفات اللقاح.

وهذا يؤدي حكما الى البقاء في دائرة خطر أكبر ناتجة عن الاحتكاك الدائم مع المرضى والمصابين.

فالراجح في هذه الحالة عقلا و شرعا و الذي قد يصل الى حد الوجوب بالنسبة لهذه الفئة وامثالها هو أخذ اللقاح لكونه الوسيلة المعتمدة حاليا لتخفيف احتمالات الاصابة المرتفعة.

 

الصورة الثانية: فيما لو كانت طبيعة عمل المكلف توجب عليه الاحتكاك المباشر مع الكثير من الناس والذي يحتمل ان يكون بينهم مصابون ممن لم تظهر عليهم علائم الاصابة، ويكون احتمال انتقال الإصابة اليه من مصادر مجهولة هو احتمال راجح، كالبائع الذي يتردد الى دكانه الكثير من الناس، او كالذي يتجول في عمله ويلتقي بالكثير من الناس، أو كالسائق العمومي.

فالراجح بالنسبة لهؤلاء وامثالهم هو أخذ اللقاح لأنه يزيد من فرص الأمان والاطمئنان لهم أمام المخاطر المحتملة، وهي راجحة على التوقي من الاضرار المحتملة المجهولة من اللقاح.

 

الصورة الثالثة: فيما لو كانت طبيعة عمل المكلف لا تستوجب منه الاحتكاك والتواصل مع الناس الا بمقدار يسير، ولكن ذلك لا ينفي احتمال حصول الإصابة، فيدور الامر بين أخذ اللقاح لدرء الاحتمال اليسير بالإصابة مع احتمال حصول آثار سلبية مجهولة مستقبلا للقاح، و بين ترك اللقاح مع ما يعني ذلك من وجود احتمال يسير للإصابة.

فالمكلف في هذه الصورة مخير من الناحية الشرعية لعدم وجود الترجيح بين الخيارين.

 

الصورة الرابعة: فيما لو كان المكلف متمكنا من تحصيل المناعة من الإصابة من خلال تمكنه من قطع وسائل الاتصال المسببة للإصابة، فالراجح لمثل هؤلاء حاليا عدم أخذ اللقاح توقيا للآثار السلبية المحتملة من أخذ اللقاح، و التي لا تزال مجهولة المقدار والاثر .

الصورة الخامسة: فيما لو كان تلقيح المكلف بهدف اجراء تجارب طبيّة، ولم يكن المكلف بحاجة لذلك، وكان احتمال حصول مضاعفات سلبية عليه قائما، ففي مثل هذه الحالة لا يجوز له أخذ اللقاح لوجود احتمال سلبي معتبر، وعدم وجود مصلحة راجحة بالنسبة له.

جواب السؤال الثاني: فيه شقان:

الأول: ما يتعلق بطهارة اللقاح ونجاسته، فإذا عُلم دخول شيء نجس في مكوناته من دهن الخنزير وشبهه فهو محكوم بالنجاسة في حال الملاقاة، وله حكم المتنجس المائع .

ولا ترتفع النجاسة في هذا المورد استنادا لقاعدة الاستحالة المطهرة للأعيان النجسة او المتنجسة،  لأنها ليست من مواردها، إذ أنه في مورد  ادخال مكونات الخنزير  الى تركيبة الدواء يحصل مزج لهذه المكونات مع بقية مكونات الدواء، فتعم النجاسة، لكونها جميعا تصبح مائعة.

والفارق بين الاستحالة المطهرة وبين المزج هو أن الاستحالة المطهرة للنجاسات تتحقق شرعا عندما  تتحول حقيقة عين النجاسة أو المتنجس الى مادة أخرى، كاستحالة العذرة الى ملح، او استحالة البول الى بخار، أو استحالة الخشب الى رماد وهكذا، فاستحالة عين النجاسة او المتنجس الى حقيقة أخرى يعتبر من المطهرات وينتفي وجود الحقيقة الاولى.

وأما المزج بين شيئين فلا ينفي حقيقة المادة الأولى النجسة حتى لو كان المزج مستهلكا لها لأن حقيقته لا تزال موجودة دون ان تستحيل ولم تتحول الى حقيقة ثانية رغم المزج، كما يحصل عندما يتم وضع ملح في الطعام او سكر في الشراب.

 وفي مورد السؤال فإن إضافة مكونات من الخنزير في مثل هذا الدواء يحقق المزج نظرا لحاجتهم الى تلك الخصائص المادية الموجودة في تلك المكونات ولا يحقق الاستحالة، فحصول المزج لا يؤدي الى الحكم بالطهارة، خلافا للاستحالة.

ولكن على فرض تحقق الاستحالة الحقيقية في هذا المورد – وهذا يحتاج الى اثبات في هذه الصورة – فيحكم حينئذ بالطهارة.

وأما ما يدخل الجسم فلا يحكم بنجاسته حتى ولو كان نجسا بذاته في الخارج، وعليه فحتى لو كان اللقاح محكوما بالنجاسة، فالنجاسة فيه ليست مانعة من استخدامه.

أما ما يتعلق بحرمة استعماله على فرض نجاسته فقد اتضح حكمه مما سبق.

جواب  السؤال الثالث: اتضح جوابه من جواب السؤال الأول الذي يبين مورد الحرمة من عدمها ، فليراجع الجواب الاول.

وأما موضوع نجاسة اللقاح فقد اتضح من جواب السؤال الثاني،  ونتيجته أن لا اثر للحكم بطهارة أو نجاسة اللقاح من خلال التزريق للتأثير في حلية استخدامه او عدمها، لأن الحلية لها أوجه أسلفنا بيانها في الجواب الأول، و أثر النجاسة فيه ينحصر في مورد الشرب للدواء المائع او الاكل للجامد، او الملامسة الخارجية.

 فلو افترضنا انتاج دواء سائل للشرب، وليس للتزريق، او أقراص للشرب، وثبتت فيها النجاسة وفق ما اسلفنا  فهذا لا يؤثر على الصورة الأولى التي وردت في الجواب الأول ولا يؤثر على الصورة الثانية أيضا، نعم يؤثر في الحكم على الصورة الثالثة والرابعة مما بيناه في الجواب الأول إذ لا يجوز فيهما شرب الدواء المتنجس او أكله إلا في موارد الضرورة المنتفية في كلتا الصورتين.

كفى الله العباد شرور أنفسهم ووفقهم للتوبة والاستقامة والدعاء عله يرفع عنهم الوباء.

وقالَ رَبُّكُمُ ادْعُوني‏ أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتي‏ سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرينَ (60 غافر)

 قُلْ يا عِبادِيَ الَّذينَ أَسْرَفُوا عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَميعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحيمُ  *وَ أَنيبُوا إِلى‏ رَبِّكُمْ وَ أَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ ( الزمر 53و54)